تقرير بحث السيد الخميني للسيد محمد الصدر
276
كتاب البيع
وإن لم يكن من باب الشوق إليه ، إلّا أنَّ العقل يلزم ترجيح هذا المكروه على ما هو أشدّ منه كراهةً وعقوبةً ، ومعه تكون المبادئ الاختياريّة محفوظةً أيضاً . والغرض : أنَّ الأفعال الاختياريّة قد لا تكون مسبوقةً بالاشتياق ، كما ذهب إليه بعض المحقّقين قدس سره ؛ مستدلًا عليه بأنَّ الإرادة هي الشوق المؤكّد « 1 » ، كما اختاره الملّا هادي السبزواري قدس سره « 2 » ، وهو غير تامٍّ ، بل التحقيق أنَّ الشوق غير الإرادة وإن وقع في مبادئها غالباً لا دائماً ، مع أنَّ العقل ليس شأنه الاشتياق ، بل الإدراك للمصالح والمفاسد ؛ إذ يدرك ما هو الأقلّ محذوراً ، فيقدّمه على الأشدّ منه والأشقّ عنه ، بل إنَّ الحيوانات على اختلاف مراتبها تدرك ذلك أيضاً ، فترجّح بعض الأفعال على غيرها ، وهو ظاهرٌ جدّاً . فالقطّة مثلًا ترجّح تناول الفأرة على أكل الخبز قطعاً ؛ بملاك أنَّ لفعلها مبادئ اختياريّة ، لا كالمغناطيس الجاذب لغيره . والحاصل : أنَّ الفعل الصادر عن الإنسان - سواءٌ أكان اضطراريّاً أو إجباريّاً أو إكراهيّاً أو إلجائيّاً - لابدَّ أن يكون مسبوقاً بالاختيار والإرادة ، فلا فرق بين الأفعال من هذه الجهة . نعم ، قد تختلف بعض مبادئ الفعل ، فيشرب العطشان الماء البارد في الصيف بلّذةٍ واشتياقٍ ، فيما يتناول المريض الدواء مع عدم اشتياقه له ، بل مع كراهة وحزازةٍ وإن رجّح عقله تناوله على ما هو الأشقّ منه كموته أو تأخّر برئه . ولو هدّده ظالمٌ بالموت أو الضرب الشديد في قبال دفع مبلغٍ ، لاختار
--> ( 1 ) راجع : الرسائل المختارة : 71 ، رسالة خلق الأعمال ، القبسات : 222 ، الحكمة المتعالية 133 : 4 ، السفر الثاني ، الفنّ الثاني ، القسم الثالث ، الفصل 2 ، وغيرها . ( 2 ) راجع : شرح المنظومة 646 : 3 ، غررٌ في الإرادة .